زكريا القزويني

274

آثار البلاد واخبار العباد

منبج مدينة بأرض الشام كبيرة ذات خيرات كثيرة وأرزاق واسعة وذات مدارس وربط . عليها سور بالحجارة المهندسة حصينة جدّا . شربهم من قني تسيح على وجه الأرض . ينسب إليها عبد الملك بن صالح الهاشمي المشهور بالبلاغة ؛ قيل : لمّا قدم الرشيد منبج قال لعبد الملك : أهذا منزلك ؟ قال : هو لك يا أمير المؤمنين ولي بك ! قال : كيف صفتها ؟ قال : طيبة الهواء قليلة الادواء ! قال : كيف ليلها ؟ قال : كلّه سحر ! قال : صدقت إنّها طيبة ! قال : طابت بك يا أمير المؤمنين ! وأين تذهب بها عين الطيب برها حمراء وسنبلها صفراء وشجراء ، في فياف فيح بين قيصوم وشيح . فأعجب الرشيد كلامه . منف مدينة فرعون موسى . قيل : إنّها أوّل مدينة عمرت بمصر بعد الطوفان ، وهي المراد بقوله تعالى : ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها . وهي بقرب الفسطاط . كان فيها أربعة أنهار تخلط مياهها في موضع سرير فرعون ولهذا قال : وهذه الأنهار تجري من تحتي ! حكى من رأى منف قال : رأيت فيها دار فرعون ودرت في مجالسها ومشاربها وغرفها ، فإذا جميع ذلك حجر واحد منقور ، ما رأيت فيها مجمع حجرين ولا ملتقى صخرتين . وآثار هذه المدينة بمصر باقية وحجارة قصورها إلى الآن ظاهرة . قال ابن زولاق : سمعت بعض علماء مصر يقول : إن منف كانت ثلاثين ميلا بيوتا متّصلة ، وفيها قصر فرعون قطعة واحدة ، وسقفه وفرشه وحيطانه حجر أخضر . وقال أيضا : دخلت منف فرأيت عثمان بن صالح جالسا على باب كنيسة ، فقال لي : أتدري ما هذا المكتوب على هذا الباب ؟ قلت : لا ! قال :